السيد علي عاشور

119

موسوعة أهل البيت ( ع )

فوالله ما لا عن قوم قط نبيّا إلّا هلكوا ، فإنّ أبيتم إلّا الإقامة على دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا . فلمّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول اللّه فخرج إليهم محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفهما ويقول : « اللهم هؤلاء أهلي » قال الشعبي : قوله تعالى : أَبْناءَنا الحسن والحسين عليهما السّلام وَنِساءَنا فاطمة وَأَنْفُسَنا علي فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا أنا دعوت فأمّنوا » فلمّا رأى وفد نجران ذلك ، وسمعوا قوله قال لهم كبيرهم : يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى منكم على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فاقبلوا الجزية . فقبلوها وانصرفوا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد تدلّى على أهل نجران ، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم الوادي عليهم نارا ، ولا ستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على الشجر ، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا » « 1 » . ثم قال ابن طلحة : فانظر بنور بصيرتك أمدك اللّه بهدايتها ، إلى مدلول هذه الآية وترتيب مراتب عبارتها ، وكيفيّة إشارتها على علو مقام فاطمة عليها السّلام في منازل الشرف وسمو درجتها ، وقد بيّن ذلك عليه السّلام وجعلها بينه وبين علي تنبيها على سر الآية وحكمتها ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعلها مكتنفة من بين يديها ومن خلفها ليظهر بذلك الاعتناء بمكانتها ، وحيث كان المراد من قوله تعالى وَأَنْفُسَنا نفس علي عليه السّلام مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم جعلها بينهما ، إذ الحراسة بالإحاطة بالأنفس أبلغ منها بالأبناء في دلالتها « 2 » . وقال العلامة الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة : ( روي أنّه عليه الصلاة والسلام لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران ثم إنهم أصروا على جهلهم فقال عليه السّلام : إنّ اللّه أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم ، فقالوا : يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك ، فلمّا رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال : واللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، واللّه ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لكان الاستئصال ، فإن أبيتم إلّا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول إذا دعوت فأمّنوا .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 : 212 ، التفسير الكبير للرازي 8 : 86 - 87 ، الوسيط 1 : 443 - 444 ، مجمع البيان 1 : 452 ، دلائل النبوة لأبي نعيم 2 : 455 ، الدر المنثور 2 : 231 . ( 2 ) مطالب السؤول : 9 المقدمة .